الأمومة.. تجربة تعاش وتحكى!!

الأمومة.. تجربة تعاش وتحكى!!

لا تقرئي هذه التدوينة إن كنت لا ترغبين في تغيير موقفك من الحمل والإنجاب. هذه التدوينة ستورطك في رغبة وتوق لخوض تجربة الأمومة. كل فكرة ستغريك أكثر من سابقتها، احذري.

تسمع النساء بمجرد أن تتزوجن “عيشي حياتك ما حدك ما عندك ولاد.. ما تحملي تا تعيشي كاع ديكشي اللي باغا را بعد الولادة كتسالي حياتك..”. ثم تسمعن أثناء فترة الحمل “مبروك”، وكلما تقدمت في شهور الحمل واقتربت من لحظة الوضع، يتحول الخطاب تدريجيا إلى “ايييه شنو كيتسناك.. شبعي نعاس را ملي تولدي ماكاين غير السهرة لكم.. شبعي راحة را ما كتتسناك غير تمارة.”.

أكتب إليكن اليوم، لألقي الضوء على التفاصيل الساحرة في تجربة الأمومة، وهي كثيرة جداً.. وعميقة.. وقوية.. وستجعلك تنسين كيف كان طعم الحياة قبل أن يصل صغيرك.

لكن قبل أن أحدثكن عما سيفعله بكن صغاركن، سأسرد لكن سريعاً مشاهد من عدة مراحل.

في فترة الحمل ستكون هناك لحظات صعبة، وربما تمتد الصعوبة على طول شهور الحمل.. غثيان وقيء وحساسية مفرطة من الروائح.. وربما مشاكل صحية. لكن ثمة سكينة عميقة ستغمرك بينما تحدث داخلك معجزة الخلق. وحينما تسمعين دقات قلبه أول مرة عند الطبيبة، ستغمرك الدهشة. وحين يبدأ بالتحرك داخلك، وترين حركته رأي العين، ستودين لو تخبرين العالم كله بفخر أن جنينك بدأ يتحرك ! وطوال فترة الحمل.. انبهارك بتلك التفاصيل سيمنحك إحساساً بتفرد التجربة لدرجة أنك ستشعرين وهو ينمو في أحشائك كأنما هذه معجزة خصك بها الله، وأنك أول وٱخر امرأة تعيشها.

وفي اللحظة التي يخرج فيها صغيرك إلى الوجود، سيصبح لوجودك معنى جديد، عميق وقوي، سيجعلك تشعرين أن لوجودك غاية عظيمة.

بعد الولادة، ستشعرين أن كل شيء في جسدك يرتخي.. كأنه يأخذ نفساً عميقاً بعد رحلة طويلة مرهقة. لينمو، كان جنينك يأخذ من كل خلاياك.. دمك ولحمك وعظمك وشعرك وجلدك.. قدمتِ له كلّ شيء وهيئت له ما استطعتِ. هو الآن بين يديك، كائن صغير جداً سيملؤ حبه كل كيانك.

ثم تغرقين في دوامة جديدة، نوم غير منظم.. وإنهاك جسدي.. متاعب الرضاعة.. وهي أشياء لا أحد يمكن أن ينكر كم هي منهكة. لكن ذروة الصعوبة تكون في الأيام الأولى.. وفي أول أسبوعين.. ثم تبدأ الأمور بالتحسن. والحقيقة أنك ستشعرين أنك بخير. ستندهشين كم أنه رغم كل هذا التعب، أنت بخير ولديك طاقة تكفيك طول اليوم والليل أيضا. ربما هي يد الله تمسح على أمومتك الجديدة بحنان. يصعب وصف الأمر.. لكنك ستشعرين به إن نقلت تركيزك بعيداً عن التعب والإرهاق والسهر. ستشعرين أنه على عكس توقعاتك، أنت بخير ولديك ما يكفيك من الطاقة. وبمجرد أن ينقضي أول أسبوعين، ستشعرين أن الطاقة تدب في أوصالك أكثر وأكثر.

أيام وستدمنين عبق صغيرك. إن رائحة الصغير ستجعلك كلما استنشقتها رغبت بها أكثر. مهما كنت قد شممت من عبق الصغار من قبل، ستجدين في رائحة صغيرك شيئاً خاصاً يخلب لبك.

ثم سينظر إليك مباشرة في عينيك وهو كل عمره أيام، سينظر إليك باهتمام بالغ، ووجهه لا يعبر عن شيء، لكن عينيه مليئتان بالسحر. جربي أن تغني له، وسيشعرك هدوؤه وإصغاؤه و نظراته المركزة على وجهك أن صوتك أجمل صوت في العالم.

سيغفو صغيرك فوق صدرك، جربي أن تجعليه ينام بكل جسده الصغير فوق صدرك. سيخترق قلبك شعور عارم بالسكينة لم تشعري بشيء مثله من قبل. ستشعرين بشيء يشبه فراشات المعدة عند الفرح الشديد، لكن في صدرك هذه المرة.

المسي كفه حين يستيقظ من النوم لتوه، ستجدين هناك دفئا لذيذاً للغاية، سيجعلك تبحثين عن كفيه دون أن تشعري لتدفني طرف أصبعك فيه كلما استيقظ من النوم.

إن مهمة بسيطة كتغيير الحفاظ، ستجعلك تشعرين بأهمية دورك. حين تجدين صغيرك قد لوث حفاظه، فتنظيفه وتلبسيه حفاظا جديداً، ستشعرين برضاً غريب. هي مهمة بسيطة لكنها تشكل فرقاً كبيرا وفوريا يجعلك ترين رأي العين أهمية ما تقدمينه لصغيرك وإلى أي حد يحتاجك ليكون بأفضل حالاته.

ستجدين متعة لذيذة في الاهتمام بتفاصيله، كتقليم اظافره وتنظيف كل ثنايا جسده الصغير وتطييبه (تعطيره)، انتقاء ملابسه وتغيير ملاءات مهده. أنت تهتمين بتفاصيل إنسان صغير تتحملين مسؤوليته بالكامل، وهذا شيء وإن كان مرهقا، لكنه ممتع جداً.

إذا قررت أن تجربي النوم وهو بين ذراعيك، ستعيشين تجربة من السكينة والسعادة لا مثيل لها. ستغرقين في النوم، وكلما استيقظت تجدين رأسه الصغير قرب وجهك لتقبليه القبلة العاشرة بعد أن قررت أن الخامسة ستكون الأخيرة حتى لا توقظيه.

وفجأة، سيمنحك أول ابتسامة. سيخفق قلبك بشدة ولن تصدقي ما رأته عيناك. هل ابتسم لي حقا؟ هل تلك ابتسامة حقيقية أم إيماءة قام بها دون قصد؟ ستخبرين زوجك ووالديك وأخوتك وصديقاتك أنه ابتسم. لن يكون شعورك حيال ابتسامة صغيرك الأولى كأنها مجرد ابتسامة، بل ستشعرين كأنما حقق إنجازاً عظيماً.

ثم سيبدأ صغيرك في الانفتاح عليك وعلى العالم، ستبدئين بالشعور أنه يميزك ويعرفك، ويبدأ وجهه في التعبير عن أشياء جديدة. وبعد أول ضحكة، سيضحك كثيراً.. وستجعلك ضحكاته تغرمين به من جديد.

ستكونين منهكة، وتنتظرين أن ينام لتأخذي قسطاً من الراحة. وبمجرد ان ينام، سيتسلل إليك شوق خفي إليه، إلى عينيه الفاتنتين وضحكاته الخلابة.

بمرور الأيام، ستصيرين قادرة على فهم صغيرك واحتياجاته. سيجعلك هذا تشعرين بقوة رابطتكما، وسيمنحك هذا شعوراً بالرضا، وسيضاعف شعورك بقيمة وجودك.

ستجدين نفسك دون شعور تدعين وتطلبين من الله أن يحفظ صغيرك ويرعاه دائما.

كل صباح، وكيفما كانت ليلتك، ستشعرين أن لديك دافعاً رائعاً للاستيقاظ، لتري صغيرك ويمنحك أجمل ابتساماته بمجرد أن يرى وجهك في الصباح.

ولن يتأخر الصغير في التعبير عن حبه لك. سيستغرق الأمر بضعة أشهر فقط لتبدئي بالشعور كم يحمل لك هذا القلب النقي من الحبّ، هل تتصورين كيف سيجعلك ذلك تشعرين؟ كائن بريء جداً، طاهر جداً، يحبك أنت على نحو لن يكنّ مثله لأحد من العالمين.

أيتها المترددات، عطرهم فاتن جداً، بشرتهم ناعمة جداً، وخدودهم لذيذة حقاً، أيديهم وأقدامهم وكل تفاصيلهم الصغيرة ظريفة جداً. فيهم نقاء عارم، حين تحملين صغيرك ستشعرين أنك تحملين أنقى كيان في الوجود. وستعبر السكينة من روحه الطاهرة إلى قلبك مباشرة وستشعرين أن لديك دافعاً قوياً جداً لتكوني أفضل نسخة منك لأجله.

أجل، ستكون هناك تفاصيل جديدة أحب أن أسميها تحديات بدل مشاكل او مصاعب أو متاعب، حتى أشكل شعوري حيالها بالرغبة في الفوز فيها وتجاوزها بنجاح. وهذا أمر طبيعي، فما تعيشينه في الأمومة هو أعظم دور يمكن أن يقوم به إنسان، وهو الاهتمام برعاية وتنشئة أعظم كائن حي خلقه الله، ليكون إنسانا سويا متوازنا سعيداً صالحاً. لقد منحنا الله نحن النساء شرفاً عظيماً، بأن جعل معجزة الخلق تحدث في أحشائنا، وكلفنا بالاهتمام بكل شؤون تلك المعجزة ما إن تصل إلى الحياة. هل يمكن أن تكون لوجودنا غاية أعظم من هذه؟ هذا الكائن الصغير الذي يحتاج للرعاية والاهتمام ولقلب نابض بالحبّ يضمه في أحضانه، جعل الله هذه المهمة لنا. لأنه يعلم أننا خليقات بها. كلفنا الله بهذه المهمة لأنه يعلم ان لنا طاقة تحمل وصبراً عظيمين، وقلباً عامراً بالمحبة والحنان. وهي أمور لابد منها لنحسن رعاية المولود الصغير.

ركزي على الطاقة التي ستدب فيك ما إن تصيري أما، بل قبل ذلك. ما إن تعلمي أن بأحشائك جنيناً، حتى تشعري أنك قادرة على تحمل أي شيء لأجله.

واعلمي أن التذمر والشكوى والتركيز المستمر والحصري على المتاعب التي تأتي مع الأمومة، سببها هو خلل في تصور الغاية من حياتنا، المتمثل في جعل الراحة هي الأولوية. إن الغاية من وجودنا ليست الراحة، وإنما الإنجاز. خلقنا لينجز كل مهمة ويستمتع بإتمامها ويُشغف بالإبداع فيها ويسعد بالنجاح فيها. وحين نسعى لإنجاز شيء ما، فالتعب شيء ضروري وطبيعي ولا بأس بذلك. وكم هي مضجرة حياة من يسعى فقط لراحته ويجعلها أولويته. ثمة مشاعر ألذ بكثير من الراحة، كالسعادة والرضا والسكينة، وكلها ستبلغين ذروتها إن عشت أمومتك على أجمل وجه.

حال الأمومة كحال كلّ غاية يبتغي الإنسان تحقيقها ونيلها، لابد له من التعب في سبيلها وهذه سنة من سنن الكون الراسخة.

الخلاصة، أنني هنا لا أنفي أنه تأتينا مع الأمومة مسؤولية كبيرة ستستهلك الكثير من طاقتنا. لكنني أؤكد لك أن حياتك لن تنتهي مع الأمومة، وأنك ستنامين ما يكفيك لتستيقظي بنشاط وتعتني بنفسك وبأحبائك، وتكوني سعيدة وجميلة. أما عملك وأنشطتك التي تحبين، فلن يحرمك منها صغيرك إن أنت أحسنت تنظيم وقتك. كل شيء مرتبط بشعورك حيال ما تعيشين والجانب الذي تختارين التركيز عليه، وهو ما سيشكل طريقة تعاطيك مع تفاصيل التجربة.

عيشي أمومتك بشغف واستمتاع، واجعلي تربية صغارك تحديا تشحذين كل طاقتك وذكائك لتنجحي فيه. اهتمي بصغيرك بكل ما أوتيت من حبّ، وستحصدين كل يوم ما زرعته في قلبه من محبة.

وأخيراً.. أنا مرهقة.. لكن سعيدة.

بقلم ذة لمياء الناجي

kapla.ma

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *