تجربتنا مع رضيعنا في أسابيعه الأولى

تجربتنا مع رضيعنا في أسابيعه الأولى

إنها التاسعة والنصف مساءً، أكتب إليكم وقبالتي وجهٌ صغير جميل للغاية، مستلق فوق سريره الأبيض الملاصق لسريرنا، غارقٌ في وسنٍ وسكينة.

ككلّ الٱباء والأمهات، عشنا ليالياً صعبة مع غسان. بقيت في أول ثلاث أسابيع بعد الولادة في بيت أسرتي وحظيت برعايتهم. قاسمتني أمي الحبيبة ليالي السهر الأولى وحملت عني الكثير من التعب، ومع ذلك جعلتني تلك الفترة أشعر بالكثير من الوهن وأن تعب الحمل والولادة ما زال يسكن بدني. كانت صرخات غسان توقظ أبي الذي يقبل على الفور بمجرد أن يسمع بكاءه ليطمئن على حفيده، متسائلاً عما به بملامح مستنكرة كأنني وأمي لا نحسن رعايته أو نهمله، فغسان أول حفيد لهما.

أيامي الأولى بعد الولادة

ثم عدت إلى بيتي ورافقتني الليالي المتعبة، وظل النوم يستعصي على صغيرنا ليلاً، وكانت بعض الليالي صعبة عليه، تخللتها نوبات بكاءٍ شديد بسبب وجع البطن الذي تسببه الغازات، وهو أمر طبيعي لدى كل الرضع في أسابيعهم الأولى. الحقيقة أن تلك الليالي كانت مرهقة للغاية. لكنها مرت بسرعة، وانقضت ولله الحمد. انتظم نوم غسان حين أتمّ الأربعين يوماً. صار ينام ليلاً بشكل متقطع، فيسيتقظ للرضاعة ويعود للنوم.

قد يكون النوم أصعب التحديات التي تواجه الزوجين مع مولودهما في شهوره الأولى. أحدثكم الليلة عن تجربتنا بهذا الخصوص، وما أود أن أؤكد عليه مرة أخرى هو أنني لست خبيرة ولا متخصصة، وأن كل ما أكتبه هو من وحي تجربتنا ومراقبتنا المستمرة لما نعيشه مع غسان. أيضاً، لست بصدد تعميم تجربتنا، فلا ينطبق ما نعيشه بالضرورة بتفاصيله على الجميع، كل ما في الأمر أنه ثمة طرق جعلتني التجربة أرى نجاعتها، فوددت أن أشاركها معكم لعلها تعينكم كما أعانتنا. الحقيقة أنني أؤمن أنه لكل تحدٍّ طريقة يسيرة للنجاح فيه، وكل ما علينا هو اكتشافها. وهذا هو تحديداً ما أود أن يصلكم. فمثل هذا اليقين سيجعلنا دائما نبحث بشغف عن الحل، بدل الشعور بالإحباط واستصعاب كل شيء.

لف الرضيع بالقماط

كان زوجي بلال في الأيام الأولى يحرص على لف غسان بالقماط. ثم سافر للعمل ومكثنا غسان وأنا مع أهلي فترة. جاءت أيام أهملنا فيها هذا التفصيل الذي أدركنا لاحقا أهميته. لم نعد نلف الصغير بالقماط، فصار يعجز عن الغرق في النوم ويستيقظ بمجرد وضعه في سريره الصغير. وهذا أول سر بخصوص النوم وراحة الرضيع بشكل عام. وكنت قد سمعت الكثير عن أهمية القماط، لكنني لم أدركها بحق حتى رأيت ذلك مباشرة. انتبهنا للأمر، وحين صرنا نلفه به من جديد، صار ينام أسرع وأفضل بكثير ولا يستيقظ إلا إذا حان موعد الرضاعة أو كان به مغص.

إن الرضيع في أسابيعه الأولى ليس لديه أي وعي بحدود جسده. فقد كان طوال الوقت محاطاً بحدود الرحم الضيقة وأطرافه لصيقة به. إن شعور أن يكون جسده غير مضغوط كما كان، هو شعور غريب عليه للغاية وغير مريح. ليطمئن ويسكن، هو يحتاج بشدة للشعور بذلك الضغط، وهذا ما يفعله القماط ببراعة. أيضاً.. لا يعرف الرضيع يديه ولا قدميه ولا يتحكم بهما لأن جهازه العصبي لم يكتمل بعد.. لذلك فحركاتهما اللاإرادية تخيفه وتزعج نومه وستوقظه كل حين. هكذا فالقماط يحسن نومه كثيراً لأنه يبقي ذراعيه ثابثتين ملتصقتين به.

لم نستغن عن القماط مع غسان حتى أوشك على إتمام شهره الخامس. القماط ضروري على الأقل في الشهور الثلاثة الأولى. لُفاه به في الأسابيع الأولى معظم الوقت، ثم قلِّصا ذلك تدريجياً حتى يقتصر على وقت نومه. سرعان ما سيفهم الصغير أنه قد حان وقت النوم بمجرد أن تضعاه فوق قطعة القماش السحرية لتلُفا بها جسده الصغير.

تنظيم نوم الرضيع

أما بخصوص نوم الليل، فإن كل ما فعلناه هو أننا طبقنا نصائح شائعة ومتوفرة في كل مكان، وهي خلق روتين مرتبط بالنوم. اجعلا الصغير يفرق بين الليل والنهار، وذلك بتهدئة الأضواء والأصوات حين يقترب موعد النوم الليلي، وعدم اللعب معه بشكل يوقظ نشاطه في المساء، بل اكتفيا بالتحدث إليه أو باللعب بهدوء. أيضاً، اختارا ساعة معينة لنومه، وحاولا ما أمكنكما الالتزام بها لضبط ساعته البيولوجية عليها. سريعاً ما سيتأقلم ويبدأ بالتثاؤب والتعبير عن الحاجة للنوم بمجرد وصول الموعد، فيكون خلوده للنوم يسيراً وسريعاً. وحين يستيقظ للرضاعة، احرصي على ألا تنيري الأضواء، واكتف بضوء خفيف للغاية يمَكّنك من أن تبصري فقط. بالمقابل، اجعليه يرى الضوء الطبيعي للنهار بمجرد استيقاظه.

إذا التزمتما بهذا النظام، فغالباً ما سينجح الأمر، والفطرة التي وضعها الله فينا ستكمل المهمة. إن الإنسان خلق يسكن بالليل وينشط في ضوء النهار.

ثم كبر غسان أكثر، وظننّا أننا انتهينا من إشكال النوم. ثم مرت علينا أيام انقلب فيها نومه رأسا على عقب. حدث هذا مرتين لحد الآن (حتما حدث أكثر لكننا لم نلاحظ) ودام في كل منهما يومين. لكننا لاحظنا أشياء أخرى في سلوكه، جعلتنا نبحث في الأمر ونحاول فهمه.

هل سمعتم عن طفرات النمو؟

سيحدُث إذن أنه بعد أن تطمئِنا إلى انتهاء عهد الليالي البيضاء وصعوبات النوم، سيفاجئكما الصغير بأيام قد يعجز فيها تماماً عن النوم رغم كل محاولاتكما. قد يرافق هذا أيضاً نوبات بكاء تخفقان تماماً في إيقافها. سيخترقكما الرعب، هل سنعيد كل ذلك من جديد؟!
لا.. اطمئنا. كل ما في الأمر أنه يحدث للصغار شيء يسمى طفرات النمو! (تجدون على محركات البحث مقالات كثيرة بهذا الخصوص).

في أول سنتين تكون طفرات النمو متقاربة مقارنة بالأطفال الأكبر سناً، وخلال هذه الفترات تحدث تغيرات كبيرة في سلوكهم، فينام بعضهم كثيراً، ويعجز بعضهم عن النوم.. وقد يطلب بعضهم الرضاعة كثيراً وتنخفض بالمقابل شهية ٱخرين جداً.. ويحدث أيضا أن يتعلق الصغير بأمه في هذه اللحظات فيلتصق بها ويرفض الابتعاد عنها. الخبر الجيد أن كل هذا طبيعي ومؤقت ويمر ليعود الصغير لسابق عهده وينتظم مجدداً في أكله ونومه. لذلك، كل ما عليكما هو الصبر وسعة الصدر والتعاون حتى تمر هذه الفترة التي لن تتعدى أياماً. ثم راقبا الصغير، سيفاجئكما بعد كل طفرة بأشياء جديدة يتعلمها فجأة !

ثم بدأنا مرحلة أخرى، واجهنا فيها تحديا جديداً، حيث صار غسان يستيقظ بمجرد وضعه في سريره، ويطلب حمله من جديد ليعود للنوم. ويحدث أن نضعه عدة مرات ليتسيقظ بمجرد وضعه مجدداً. كان الأمر جد محير، لكننا بتوفيق من الله وجدنا السر الذي كان له فعل السحر !

حين صار الجو حاراً لم يعد غسان يستطيع النوم جيداً بسبب القماط الذي جعله يتعرق كثيراً. فاضطررنا للتخلي عنه، وطبعا كان يحتاج لبعض الوقت ليعتاد النوم دونه. وقد اعتاد ذلك سريعا بالفعل، لكن سرعان ما ظهر تحد جديد. وهو ما أسلفت ذكره حيث كان يستيقظ بمجرد وضعه مهما كان غارقا في النوم. أجرينا بعض الأبحاث لنكتشف السر !

سر استغراق الرضيع في النوم! 

بكل بساطة، كنا نضعه على ظهره وهذا خطأ. حين يوضع الصغير على ظهره، ومهما كان غارقا في النوم ستتحرك أطرافه تلقائياً بمجرد وضعه وانعتاقه من ذراعي حامله فتوقظه !
كلّ ما فعلناه أننا صرنا نضعه على جنبه بدل ظهره ! ولم نصدق أعيننا ! إنه لا يتحرك، وينام بهدوء. كان حلاًّ سحرياً حقاً. وكل ما في الأمر أنه حين يستلقي على جنبه يبقى جسده مضغوطاً على نحو ما. لكن، على أحدكما البقاء قربه ومراقبته والحرص على قلبه على ظهره بمجرد أن يغرق في النوم قبل أن يغادر الغرفة ويخلد للنوم. لأن هناك ظاهرة تسمى متلازمة الموت المفاجئ للرضيع، قد يسببها نوم الرضيع على جنبه أو بطنه بسبب الاختناق. يبقى أحدنا قرب غسان يما معدله عشر دقائق ثم نقلبه على ظهره ونتركه ينعم بنومٍ هادئ لا يتسيقظ منه إلا للرضاعة وينام من جديد.

ما علي ذكره أيضاً، أنه قد يخطر لكما تركه مستيقظاً ليتعب وينام طويلاً ليلاً، وهذا تصور خاطئ تماماً. الطفل المرهق لا ينام جيداً. سيكون نومه قلقاً ومتقطعاً وربما يعجز عن الخلود للنوم إلا بعد وقت طويل. لذلك، احرصا على جعله ينام مرتين في اليوم على الأقل، ليبقى متوازنا مرتاحاً، وستلاحظان أنه سيخلق من تلقاء نفسه روتيناً وبرنامجاً شبه ثابت للنوم، فحاولا مساعدته على ذلك.

توقعا أن تعيشا لحظات تعب شديد قد يتحول لغضب عارم، لكن استحضرا في هذه اللحظات أن صغيركما لا يقصد كل ذلك! إنه لا يفعل ذلك عمداً ولا قدرة له على التحكم فيه. إنه عاجزٌ عن النوم وذلك مزعج له أيضاً، فهو يحتاج للنوم، لكن كل ذلك خارج عن إرادته. واستحضرا أيضاً أن كل هذا مؤقت وصدقوا، سيمر بسرعة. أيضاً، لا تلوما نفسيكما أو بعضكما إن جعلتكما تلك اللحظات تغضبان، فنحن جميعاً بشر ولنا طاقة تحمل، ومن الطبيعي أن يغلبنا الغيظ والتعب أحياناً.

وصدقاني، يكفي أن تناما بعد هذا التعب و تأخذا قسطاً من الراحة، لتستيقظا وأنتما مشتاقان لللحظة التي سيفتح فيها صغيركما عينيه الجميلتين.

المدة المثالية لنوم الرضيع

وربما سيسهل الأمر أكثر أن لا ترفعا سقف توقعكما وتصدقا أن الرضيع ينام بالضرورة 16 إلى 18 ساعة في اليوم كما ستجدان في مقالات كثيرة على الانترنت. فقد أخبرتني الطبيبة أنه مجرد كلام نظري. لكن الواقع قد يكون شيئا ٱخر. غسان مثلا لم يكن يتجاوز نومه 13 ساعة، وأحيانا قد يصل ل 14 ونادرا جداً ل 15 ساعة في ال 24. لكنه اليوم لا ينام إلا 11 أو 12 ساعة. لذلك، لا تحاولا إجبار الصغير على الالتزام بكل ما تقرٱنه على الانترنت بهذا الخصوص.
بعض الاطفال نومهم أسهل وأفضل من غيرهم وهذا طبيعي ولا بأس بذلك. المهم أن يعتاد الصغير على النوم طوال ساعات الليل ولا يستيقظ إلا للرضاعة ويعود تلقائيا بعدها لنومه الهانئ.

هذه الأيام، يقاوم غسان النوم نهاراً بشدة، كأنما “مكيسخاش ينعس” لأنه بدأ يكتشف العالم وهو يجده مثيراً للغاية مليئا بأشياء كثيرة يريد أن يكتشفها، فيبخل بوقته على النوم! وقد يكون هذا متعباً أحيانا لكننا نتفهمه ونحاول أن نحافظ مع ذلك على برنامج نومه.

يمكن أن تقوموا معاً بشيء جميل يسبق النوم.. كأن تجالسوه في الغرفة التي ينام فيها، وتنيروا ضوءاً هادئا لونه دافئ، وتلعبوا بهدوء.. يمكنكم أيضا أن تختاروا أغنية للنوم.. وتكرراها دائماً حتى يعتادها ويغالبه النعاس بمجرد سماعها.

أغني لغسان أغنية صار بلال وأختي يجدان نفسيهما يدندنانها دون شعور من كثرة ما سمعاني أغنيها له. والأغنية التي اخترتها لغسان هي أغنية رسوم متحركة قديمة.. “لحن الحياة/الٱنسة صفاء”.. وتقول كلماتها :

غَنوا للحبّ وهلّلوا.. حبُّنا نورٌ وعيد.

بقلم ذة لمياء الناجي

kapla.ma

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *