التربية، بين مثالية التنظير وصعوبة التنزيل: رسالة سماوية ووظيفة حضارية

التربية، بين مثالية التنظير وصعوبة التنزيل: رسالة سماوية ووظيفة حضارية

كتب إلي زوجي ذات رسالة يتساءل : ” لقد خلق الله الإنسان لأنه هو تعالى كامل، لكن كيف أعطانا صلاحية تشكيل جوهره رغم كل ما يعترينا نحن من نقص وسوء وعلل؟”

أجل، كلفنا الله بمسؤولية عظيمة حين أوكل إلينا مهمة تنشئة أبنائنا والتأثير بشكل حاسم في تشكيل جوهرهم خيره وشره.

عزيزتي الأم الجديدة، أو التي ما تزال في خضم مراحل الرعاية والاهتمام الكلي بابن أو أكثر، تشعرين بالإنهاك الجسدي والنفسي.. تجدين أن صغيرك يستهلك معظم وقتك وطاقتك.. تشعرين أنك تدورين في دوامة لا تنتهي.. تشعرين بالضغط.. بالغضب.. بالتعب.. بالبؤس.. بالحاجة لاستراحة.. أو بالرغبة في الهرب !

أفهمك.. أعذرك.. أشعر بك.. أقدر ما تبذلينه من جهد. وأود أن أحدثك عما قد يخفف عنك شعورك بثقل هذه المسؤولية وأنها تحاصرك من كل جانب.

مقدمة لا بد منها

وقبل أن أخوض في حديثي، علي القول أنني لا أدعي تقديم حل سحري، وأن التحديات لن تختفي بقراءتك لهذا النص. كل ما أقدمه لك، هو إلقاء الضوء على المعنى وراء كل ما تعيشينه، لعل إدراكك له يخفف عنك ويقوي عزيمتك ويمنحك الرضا والإرادة. نحن كائنات نفسية بامتياز، وجود الحافز النفسي يمنحنا دافعا قويا ويغير طريقة ممارستنا للتفاصيل جذريا.

طفلك يريد أن يشكرك

دعيني أبدأ بالقول أنه لو نطق رضيعك، وطفلك الصغير، لقال لك :

“شكراً ماما. شكراً لك لأنك تهتمين بكل تفاصيلي.. لأنك بعد أن حملتني في أحشائك الدافئة، تمنحينني من بدنك غذاءا يوفر لي كل ما أحتاجه لأنمو، ويحميني بمناعة قوية طول حياتي. شكراً ماما، لأنك تبقينني نظيفا، طيب الرائحة، جميلاً مرتباً.

شكراً، لأنك تطلين علي بوجهك المريح على الفور بمجرد أن أستيقظ ليلا.

أحيانا أخفق في العودة إلى النوم، وأنت تظلين معي إلى أن أغفو.. شكراً لأنك تضمينني إلى أن أغفو من جديد. في الليل يا ماما، رغم أنك تكونين غريبة ومضحكة، لكنك تبدين كنجمة ساطعة دافئة. السكينة التي يمنحني إياها حضنك لا يمكن بأي شكل وصفها.

أنت تمنحينني وقتاً طويلا، وطاقة وجهداً. أنا أعلم أنني دخلت حياتك فجأة، وجعلتك تهتمين بأشياء جديدة كثيرة. أنا لا أقصد أن أتعبك، ولكنني لا أعرف كيف أفعل دونك. أنت تعلمينني الٱن كيف أعتني بنفسي حين أكبر قليلا، وأعتني بك. أنا أيضاً سأحب أن أعتني بك، وأحمل عنك بعض الحمل.

شكرا يا ماما، لأنك تهتمين بأكلي ولأنك تلعبين معي. شكراً لأنك تحاولين مجاراة حركيتي وقفزي من مكان لٱخر، رغم أنك تبدين منهكة أحيانا. أنا أحب اللعب معك كثيراً. وأحب حين أنظر إلى عينيك، فأجدك تنظرين إلي. ذلك يشعرني بالطمأنينة.

ماما، أنت جميلة جداً، لم أر من هو أجمل منك.. وصوتك ورائحتك.. يمنحانني شعورا بالأمان يكفيني إلى الأبد. ”

وهذه نصيحتي لك

والٱن.. دعيني أخاطبك عزيزتي الأم الجميلة رغم إنهاكها. بداية، علينا أن نتفق أن لكل مشهد عدة زوايا يمكن أن يُنظر إليه منها، وكل زاوية تتيح لك أن تري تفاصيل مختلفة. شعورك حيال ما تعيشين، سيتشكل حسب ما تختارين التركيز عليه من تفاصيل هذا المشهد.

الأمومة مسؤولية، قد تجعلك مرهقة وتعيسة، كما لديها القدرة على جعلك سعيدة رغم الإنهاك. وقبل أن أحدثك عما يمكن أن يعينك على عيشها بسعادة، علي أن ٱخذك معي إلى مكان خارج كل هذا، تنظرين منه إلى التجربة من مسافة تجعلك ترين كل جوانبها بوضوح.

إن الحياة مراحل. وقبل مرحلة الأمومة، عشتِ مراحل مختلفة كان هنالك في كل منها شيء تتمحور حوله حياتك ويأخذ معظم وقتك وطاقتك. أولا، مرحلة الطفولة والمراهقة التي كانت المدرسة محورها. كنت تقضين ساعات طويلة من يومك بين المدرسة وبين إنجاز الواجبات المدرسية بالبيت. تلك كانت مرحلة التمدرس، التي اكتسبت فيها ما يؤهلك للانخراط في الحياة المجتمعية والمهنية في حال اخترت العمل. ثم تنتهي مرحلة الدراسة لتبدأ مرحلة العمل الذي يستهلك بدوره وقتك وطاقتك.

ثم الزواج، الذي يضيف لحياتك مسؤوليات جديدة تأخذ المزيد من الوقت والجهد. وأخيرا، مرحلة الأمومة والتربية، وهي كما سبقها، ستأخذ من وقتك وطاقتك، وهو أمر طبيعي تماماً. لكن الأمومة ستأخذ طاقة أكبر ووقتاً أطول، بكل بساطة لأنها أعظم مسؤولية ستتحملينها طوال حياتك، لأنها تتمثل في تنشئة إنسان صغير يعتمد عليك بالكامل، وشعورك بكثرة المسؤوليات حين بلوغ هذه المرحلة مرتبط بكونها حين تأتي، تكونين محملة مسبقا بالعديد من المسؤوليات.

إذن، فإن كون الأمومة تستهلك طاقتك ووقتك، لهي طبيعة الأمور وحال كل مراحل الحياة. حين تقررين الإنجاب، فأنت تلتزمين بتخصيص قدر كبير من الوقت والطاقة للصغير الذي تأتين به إلى الحياة، وتهتمي بكل شؤونه، الأمر الذي يتطلب طاقة ذهنية ونفسية وجسدية، إلى أن يكبر ويستقل بذاته.

عادات بسيطة تساعدك على القيام بواجباتك

جالسي نفسك قليلاً حين ينام الصغير، ورتبي الأمور داخلك : أنا الآن أم، وقد اخترت ذلك بملئ إرادتي. هذا الصغير الحبيب مسؤوليتي وأمانتي وهديتي الجميلة. لم أعد أقضي وقتي بحرية وأمارس ما أحب، أخرج للنزهة أو للقاء الأصدقاء، أتصفح هاتفي أو أنام متى شئت. علي أن أعتني بكل شؤونه الصغيرة. لماذا على الأمور أن تأخذ كل هذا الجهد والوقت؟

لأنك تنشئين إنساناً. ودعيني أكن مختصرة ما استطعت، وأقول أن رعايتك لهذا الصغير، هي ما سيشكل أساس كيانه، طباعه وشعوره حيال نفسه ووجوده وحيال الٱخرين والحياة، وأساس شكل تفاعله مع كل ما يعيشه. أنت بصدد تنشئة إنسان قد يغير وجه العالم، أو جزءا منه، بسيطا أو عظيما، للأجمل أو الأقبح. هل تدركين عظم هذه المسؤولية؟ وهل تستوعبين أهمية دورك وقوة تأثيرك؟  وأي أمانة وأي شرف وأي تكريم مُنحتِ؟

إن مسؤولية كهاته، لابد ستنبسط فوق مساحات شاسعة من حياتك. وما يجعلها أصعب من غيرها من مسؤوليات الحياة، هو كونها لا إمكانية فيها لأخذ استراحة. هي مسؤولية تبدأ مع خروج صغيرك إلى الوجود، وتستمر كل 24 ساعة من كل يوم في الأسبوع، دون توقف إلى أن يستقل بذاته بعد سنوات.

لا يمكن لأحد الادعاء أن هذا أمر سهل. لكن صدقيني، أنت معدّة تماماً لهذه المهمة، استعداداً فطرياً. مُنحت في ذاتك قوة وقدرة وطاقة عظيمة قبل أن تُكلفي بهذه المسؤولية وتمنحي هذا الشرف. يبقى أن تعملي على اكتساب ما يجعلك تؤدينها بأفضل شكل، وذلك عبر الاطلاع المستمر، والاستفادة من تجارب الاخرين، وإعمال العقل في جميع التفاصيل، وإعادة النظر في تمثلاتك وما تحملين من موروثات تخص طرق التربية.

نحن في زمن كثر فيها ما يلهينا عن أداء ما خلقنا لنأديه بفاعلية ونشاط. الهاتف.. التلفاز.. وغيرها من الأشياء الذي تجذبك وتستنزف طاقتك وتجعلك تستثقلين ما يلهيك عنها، رغم أنها هي ما يلهيك في حقيقة الأمر. ورغم أنها لا تقدم لك سوى استنزاف الطاقة والوقت.

ربما أكثر ما قد يعيننا على هذه المسؤولية هو استحضار أمرين : الغاية الحقيقية من حياتنا وما نناله بمقابل ما نعطي ونهب في رحلة الأمومة.

لا بد أن تستحضري الغاية من حياتك

إن الغاية من حياتنا ليست الراحة ولا الاستجمام، بل الاستمتاع بإنجاز مهامنا بشغف وإبداع. والاستمتاع لا يقتضي غياب التعب والجهد الجسدي والنفسي، لكنه يستدعي قبول التحديات بروح مثابرة ومغامرة وخوض غمارها بشوق وشغف، والالتزام بتحقيق ما رسمناه من غايات عبر تزويد النفس باستمرار بما يطور أداءها ويجعلها تبلغ غاياتها.

ما قد يضايقك ويصيبك بالغضب وأنت في خضم رعاية صغارك، هو التطلع للراحة التي لا يعكر صفوها شيء. طبعا، أنت تحتاجين للراحة كأي بشر ٱخر وذلك حقك، لكنها لا يمكن أن تكون راحة مطلقة، لا أحد يعيش في راحة مطلقة. وربما يكون من المفيد إدراك أن أهمية الراحة كامنة في دورها في جعل طاقتنا تتجدد لنواصل الإنجاز والإنتاج بنشاط وفعالية.

من جهة أخرى، توقفي عن مقارنة حياتك الحالية ومسؤولياتها، بمراحل سابقة، فذلك عبث. لكل مرحلة خصوصياتها، وتزايد المسؤوليات مع التقدم في مراحل العمر، مرتبط بكوننا كلما سرنا نكتسب ما يجعلنا أنضج، ومؤهلين أكثر لتحمل مسؤوليات أكبر.

ألم تلاحظن قبل هذا، أن جيل أمهاتتا وجداتنا كان يحمل أعباء هائلة، بين أشغال البيت (ولم يكن لديهن ما وفرته لنا اليوم التكنولوجيا من أسباب الراحة وتيسير الأعمال المنزلية)، وتدبير شؤون الحياة الصعبة، وتنشئة عدد كبير من الأطفال، ورغم ذلك لم نسمع إحداهن تشتكي، أو تمن على العالمين بما قدمته. كن يعتبرن ذلك دورهن وواجبهن الطبيعي، الذي لا يجدن فيه ما يزعجهن. كن ينجزن مهامهن بهمة ونشاط وهن راضيات. ذلك أنه لم يكن هناك شاشة تلهيهن، أو تمثلات تعيق أداءهن للمسؤولية برضا.

لكن كل شيء تغير اليوم. المفاهيم نفسها تغيرت والمعنى الذي يقف خلف كل شيء، تغير. وهذا موضوع شاسع، قد أكتب عنه لاحقاً.

أنت الآن أم، ولو لم تكوني كذلك لكان ذلك منتهى أمانيك. لكنك الٱن مستاءة، لأنك غارقة في دوامة متعبة، ولا تلتفتين فيها إلا إلى ثقل المسؤولية دون استحضار المعنى الكامن في ما تعيشين.

عزيزتي الأم المنهكة، تماسكي. استعيني بالمعنى الكامن في الغاية من كل ما تقدمينه. واطرحي السؤال : ما الشيء الذي كنت لأقوم به الآن لولا أني منشغلة بالاهتمام بابني؟ هل هذا الشيء يستحق التضحية بهذه النعمة العظيمة لأجله؟ أليس الاهتمام به وقضاء الوقت معه شيئا ممتعاً حقاً؟ هل كنت لتقومي بشيء أجمل وأعظم من هذه المهمة؟

أنت لا تعطين فقط، بل تأخذين أيضا

وأخيراً، فكري في كل ما تناليه بمقابل ما تهبينه. أنت تحظين بعيون بريئة تطالعك كأنما كل غنائم الكون تلخصت في وجودك. أنت ذاك الشخص في حياة هذا الصغير الظريف، الذي لم تكن الحياة لتستقيم لولاه. إنك إذ تعيشين مع صغيرك كل التفاصيل، فكأنك تحظين بلقاء طفولتك من جديد. ستعيشين دهشة المرة الأولى من كل شيء مع طفلك من جديد، كلما تعلم شيئا جديداً مهما كان بسيطا، ستشعرين بالانبهار وتسعدين به كأنما حقق إنجازاً عظيما.

سيكتشف يديه باعتبارهما جزءا منه، ويبدأ بالنظر إليهما، ثم قدميه، ثم سيبدأ بالتحرك والتقلب ذات اليمين والشمال، ثم سيبدأ بمد ييديه للأشياء، ثم إليك، ثم يتعلم إمساك الأشياء بشكل ظريف، ثم يحاول الوقوف، ثم يحبو، ويحبو، ويحبو.. ثم يبدأ بإدراك أشياء كثيرة.. وتظهر له أسنان صغيرة حادة.. ثم يتلو ذلك تفاصيل كثيرة جدا.

ستعيشين كل تلك التفاصيل بانبهار وأنت ترين الصغير يتعلم رويدا رويدا، بعد أن خرج من أحشائك لا يقوى على شيء.. ولا يعرف أي شيء.. ها هو يتعلم.. ويكبر.. ويظهر ذكاء مبهرا.. وإرادة قوية في التعلم.. ها هو يفهم ويتواصل.. ها هو يظهر الحب.. ويعبر عن مختلف حالاته دون حتى أن يتكلم.. تفاصيل رائعة.. جميلة.. عيشيها باستمتاع. لا تضيعي لذة الأمومة بالتذمر والتركيز على التعب والإرهاق، فهو موجود على أية حال.

ألق الهاتف بعيدا، أغلقي كل ما من شأنه أن يلهيك عن قضاء الوقت مع صغيرك. لاعبيه، وتبسمي في وجهه.. واضحكي من أعماقك.. عيشي طفولتك من جديد معه. واجعلي من كل وقتكما معا مساحة يتغذى فيها الصغير سعادة ودفئا وطمأنينة وثقة. بين يديك فرصة لتصنعي من صغيرك إنسانا رائعا، صالحا، مصلحا وسعيدا. وصدقيني، لا يمكن بأي شكل أن تندمي على هذا الوقت والجهد، حين تقطفين ثمار ما زرعت من خير. ستكونين فخورة بنفسك، وبصغيرك.

اعلمي أن كل دقيقة تخصصينها لصغيرك لها قيمة عظيمة وهي عمل عظيم.. واسعدي..وافخري.. فأنت وطنه الأول، وانتماؤه الأول، وعشقه الأول، رائحتك وصوتك ويداك تشمل كل معاني الأمان والطمأنينة والسكينة.

kaplauserabdo

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *