موقفان للتأمل.. على عجلة

موقفان للتأمل.. على عجلة

موقفان عشتهما هذا الأسبوع.. جعلاني أشعر أنني لابد أن أكتب عنهما على نحو مستعجل لشدة خطورتهما ولشدة ما حزا في نفسي..
كلا الموضوعين يعدّ إشكالا خطيراً يحتاج لوقفة طويلة وحديث مستفيض، لكني لا أملك الوقت لذلك حاليا. لكني مع ذلك، قررت الكتابة باختصار ولو للإشارة إليهما لأنهما لا يحتملان التأجيل. بادرني حينها صوت في نفسي يسألني : لم الاستعجال؟ هل حديثك عنهما سيقضي عليهما؟ هل سيغير من واقع الحال شيئا مهما؟ أجابه فوراً صوت آخر في نفسي : “لا تَحقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوف شَيْئًا، وَلَو أنْ تَلقَى أخَاكَ بوجهٍ طليقٍ” صدق رسول الله. إنْ غيّرَ حديثي شيئاً بسيطا في نفس أم أو أب وأثر في سلوكه وخياراته بأي درجة فذلك يكفيني.

الموقف الأول :
حدثتني أختي أمس عن أم خلال اجتماع بين الأساتذة وأولياء الأمور.. كانت الأم رفقة ابنها في حضرة أساتذته، حين صارت تقول ” أنا عارفة أن ولدي سْطْلْ…”. يجيب الصغير مدافعاً عن نفسه : ” لا را كنعرف حرف السين.. وحرف الشين وحرف الواو…”. كان هذا الجزء من الحوار كافيا لينقبض قلبي ويعصره الألم. كيف لأم أن تفعل هذا بابنها؟ أي بلادة لزجة يمكن أن تغلف عقل المرء ليتصرف على هذا النحو!
لن أعلق على الموقف لأنه يتحدث عن نفسه. لكني سأكتفي بالتساؤل.. أي جرح غائر يقبع في نفس هذا الطفل؟ كيف يكون له أي تقدير لذاته وهو يسمع من أكثر شخص مؤثر في كيانه هذا الكلام؟ كيف يتمثل نفسه؟ وما خفي في حياته اليومية مع أمه لابد أعظم.

الموقف الثاني :
حدث مع أقرباء لي أقدرهم، في لقاء عائلي مع والدين شابين وابنهما الذي لا يتجاوز سنه السنتين، والذي ظل لقرابة ساعتين وربما أكثر.. ثابتا في مكانه، محدقا بشاشة الهاتف. ما دفعني للشعور بخطورة الوضع بعد لقائهم، وتحديدا الأم، فأنا أعرفها وأعرف أنها شخص واع ومدرك لخطورة هذه الأمور. وأعرف مقدار حبها لابنها.. وأنها كشخص يتفجر طاقة. فماذا يلزم المرء غير الوعي والطاقة والحب -وكلها أشياء تملكها هذه الأم- حتى يمنح ابنه الوقت والجهد والصبر الذي تتطلبه تنشئة طفل سليم الذهن والبدن.

لكنها وزوجها بدل ذلك، وبعد أن كان الطفل يتحرك ويلعب، قررا أن يمنحاه الهاتف ليجلس بهدوء ويعفيهما من عبئه وحتى لا يزعج الحاضرين بحركيته. جميعنا نرى اليوم أطفالا يجلسون مخدرين أمام شاشة ما، هاتف أو تلفاز، في الأماكن العمومية أو في اللقاءات العائلية. لكنني لأول مرة أحتك بهذا الموقف مع شخص قريب. طفل لا يتجاوز سنه العامين، يجلس لأكثر من ساعتين جامدا مركز النظر على شاشة الهاتف. طفل في هذا السن، الطبيعي أنه لا يستطيع الجلوس في مكان واحد لأكثر من دقيقة، يتحرك ويتحرك ويتحدث، يحمل هذا الشيء وذاك، يكتشف العالم من حوله في كل لحظة.. يطور مهاراته الحركية ومداركه.. لا يتوقف.. لا يتوقف أبدا.
لكني أرى اليوم أن أسرا كثيرة (بغض النظر عن درجة وعيها) تختار أن تخدر الابن بشاشة الهاتف لتوفر على نفسها أعباءه. عبء منحه حرية الحركة مع مراقبته وتجنيبه الأخطار، بدل الالتهاء بالهاتف أو بمشاهدة مسلسل أو الاستمتاع بحديث مع أحدهم. أسر تريد لأبنائها أن يجلسوا بهدوء ويصمتوا، حتى لا يثرثروا بما قد يحرجهم، أو يتصرفوا على نحو مزعج للاخرين. وطبعا، لا يحتاج أحدكم أن أحدثه عن الخراب الذي تقوم به الشاشات في أدمغة وكيانات الناس عموما والأطفال خصوصا، كيف تبيد خلايا الدماغ واحدة تلو الأخرى وتجعلهم عرضة للتوحد وغيره من العلل والأسقام.

بالنسبة لي.. الموقفان يمثلان جريمة حقيقية. تحقير أبنائنا كما في الموقف الأول، وتخديرهم بالهواتف كما في الثاني.

احموا أبناءكم.. ارحموهم.. احترموهم.. لا تحقروهم ولو مزاحا.. ولا تقولوا عنهم سوءا ولا عن غيرهم.. سواء أمامهم أو في غيابهم.. أبناؤكم نتيجة غرسكم.. لا تحصدون فيهم سوى ما زرعتموه.. قد تبدو هذه بديهيات للبعض.. كما كانت تبدو لي.. لكنني يوما بعد يوم أكتشف أن الواقع شيء آخر، وأن ما يبدو لي بديهيا، لا يخطر ببال الكثيرين أصلا.
إنني لست أما مثالية ولن أكون يوما كذلك، لكنني أسعى بكل ما يمنحني الله من عون، أن أكون أما صالحة ما استطعت لذلك سبيلا. ومنذ صرت أما، صار شعوري بالمسؤولية تجاه الصغار عظيما.. وكلما رأيت جريمة ترتكب في حق طفل ينتفض قلبي وأجد داخلي دافعاً كبيرا لفعل أي شيء قد يغير من ذلك بأي قدر.. ولو أن أكتب إليكم هنا.. لعل حديثي يصلكم.. ويعفي صغير أحدكم من كسر نفسه وتخريب كيانه. ولنا حديث آخر مستفيض عن كلا الموضوعين.

كونوا بخير.

 

بقلم: ذة. لمياء الناجي

kaplauserabdo

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *