كيف تعودين صغيرك على تناول وجبات صحية؟

كيف تعودين صغيرك على تناول وجبات صحية؟

للأمهات والآباء الذين يواجهون صعوبات مع صغارهم الرضع في التغذية، إليكم أكتب هذا النص. كنت قد لاحظت أن مشكل التغذية مشكل شائع لدى الصغار حسب ما ينقله آباؤهم، وهو ما كان يصلني من الصديقات، وأصادفه كثيراً على مجموعات الأمهات قبل أن أغادر هذا العالم الأزرق.

أمام ذاك الكم من الشكوى حول رفض الصغار للأكل، وجدتُني أميل إلى أن صعوبة الأمر معهم مرتبطة أساسا بافتقادنا للمعلومة، وتصرفنا بالتالي بشكل خاطئ بدل اعتبارها مشكلا لدى الصغار، لأن الأصل والطبيعي هو أن يرغب الطفل فطريا في الأكل على نحو يكفي حاجياته للتطور والنمو، طالما أنه سليم البدن ولا يعاني من حالة خاصة تجعله يخرج من هذا التعميم.

هكذ كانت بدايتي مع غسان

انتقلت مع غسان عبر مراحل في هذا الجانب، فسارعت إلى الاطلاع لأُحْسن التعامل مع كل مرحلة. ما مررت به خلال هذه الأشهر جعلني أفهم بضعة أشياء وددت مشاركتها معكم، لعلها تحمل إليكم بعض الإجابات لتزيل شيئا من الحيرة.

بدأت مع غسان مرحلة الأكل في أربعة شهور، بالإضافة إلى الاستمرار في الرضاعة الطبيعية بنفس الوتيرة السابقة تقريبا كما وصتني الطبيبة. لم أجد صعوبات مع غسان ولله الحمد، وكان غذاؤه متوازنا وتغذيته يسيرة. إلى أن بلغ عشرة أشهر، بعد أن ظهرت له ستة أسنان، أربعة فوق واثنتان تحت.

كان غذاؤه قبل ذلك عبارة عن خضر مسلوقة ومطحونة دون ملح، إضافة إلى بعض الحبوب المسلوقة أيضا كالشوفان و”الدشيشة”. ومن وقت لآخر، بعض السمك، وقليلا من اللحوم لأنه لم يكن يفضل بعضها.

تغير تعاطيه مع الأكل فجأة، ولمدة يومين، كان يرفض الأكل إلا قليلا. تزامن الأمر مع طفرة نمو، فظننته تراجعا عابرا في الشهية سيختفي بمجرد انتهائها. لكن الطفرة مرت، وغسان ما يزال يرفض الأكل.

سارعت بالبحث عن الأسباب المحتملة لذلك. وكانت المفاجأة حين علمت أن الرضع عموما، في سن العشرة أشهر مع بروز أسنانهم الأولى، يرفضون فجأة رفضا قاطعا تناول الأطعمة المطحونة التي كانوا يأكلونها دون أي اعتراض قبلها بأيام فقط. كان تغيير شكل الأكل -بإبقائه صلبا شيئا ما وإضافة شيء من الملح وزيت الزيتون إليه- كفيلا بإعادة الشهية الطبيعية لغسان وعاد يأكل كما كان. وسريعا، صار يستخدم أسنانه لاستقبال ومضغ كمية أكبر فأكبر من الأكل.

أحيانا، قد تحدث تغيرات مفاجئة

ثم حدث في نفس الفترة أن صار غسان يكره كرسي الأكل، ولا يقبل الجلوس فيه. ثم لم يعد يريد الجلوس بأي شكل للأكل. تصادف حينها أنني كنت أقرأ كتاباً خاصاً بالتربية (Tout se joue avant six ans). في جزء يتناول تحديدا التغيرات التي تطرأ على الرضع في مرحلة الخطوات الأولى (وهو كتاب أسجل أهم ما أقرؤه فيه وأعد لكم قراءة له).

يقول الكاتب أن الرضيع في هذه المرحلة، لا يصير قادرا على الجلوس للأكل، لأنه يجد أن ثمة أشياء كثيرة يريد اكتشافها أشد إثارة من الأكل. ويقترح أن نقدم لصغارنا وجبات في وقت مستقطع سريع بين فترات اللعب، بدل إجبارهم على الجلوس طويلا للأكل. وهذا تقريبا ما فعلته مع غسان. أتركه يتحرك بحرية وكلما أنهى مضغ ما بفمه، أناديه فيأتي نحوي (وأحيانا بأتي من تلقاء نفسه) لأضع اللقمة التالية في فمه الصغير. وأحيانا، يقبل الجلوس بهدءو على ركبتاي لأطعمه بينما يحرك يديه أو قدميه أو يصدر أصواتا ظريفة (لابد أن يتحرك أو يتكلم لا يستطيع التفرغ للأكل وحده).

هكذا، لم يعد غسان يضيق بالأكل، وصار ينهي طعامه دون أي انزعاج. لا أخفيكم أن الأمر لا يخلو من تعب، خصوصا حين أضطر لملاحقته باللقمة تلو الأخرى وهو يمرح هنا وهناك. لكن منحه حرية الحركة في كل الأوقات، هو أولوية الأولويات.

عادة ما أجد نفسي مضطرة للبحث عن بدائل جديدة

حين يتغير سلوك الصغير فجأة، فلنبحث عن سبب ذلك لأن له حتما سببا، وبالتالي حلا. حين يرفض الأكل، لنحاول أن نقدم له نوعا آخر من الطعام، أو نغير شكله من مطحون إلى صلب قليلا، وهكذا. لنحاول كشف الخلل ومعالجته بدل إجباره أو تدليله لدفعه للأكل. علينا أيضا أن ندرك أن للصغير تفضيلاته في الأكل واحترام ذلك، فهو لن يحب بالضرورة كل ما نقدمه له. وقد يحدث أن يرفض صغيرك فجأة طعاما كان يحبه وينهيه حتى الملعقة الأخيرة. كل ما في الأمر أنه مثل أي شخص بالغ، تتغير تفضيلاته الغذائية من وقت لآخر وتتغير شهيته.

أجد أيضا أنه من الخطأ أن نجبره على أكل شيء ما بدعوى أنه مفيد لصحته. أعتقد أن ضرر ذلك أكثر من نفعه. فهو سيشكل لديه شعورا سيئا تجاه الأكل وتجاه ما يُجبَر على أكله. بدل ذلك، يمكننا البحث عن بديل يوفر نفس القيمة الغذائية، فربما يحبه.

علينا أيضا أن نستوعب حاجته للحركة. إنه يريد استغلال كل لحظة لاكتشاف العالم من حوله، لتطوير مهاراته وتقوية عضلاته. أيضا، لديه طاقة هائلة يحتاج لتفريغها. لذلك فالطبيعي أن لا يتوقف الطفل عن الحركة طوال فترة صحوه، وألا تضمر حركيته إلا حين يغالبه النعاس. بالتالي، فالوقت الذي قد يستغرقه في الأكل يتجاوز قابليته الثبات في وضعية الجلوس.

أخيرا، من الطبيعي تماما أن تكوني قلقة إذا لاحظت تراجعا في شهية صغيرك وعزوفا منه عن الأكل. لكن، لا تدعي قلقك يدفعك لرد فعل خاطئ. تأني وحاولي كشف مكمن الخلل. لنحاول حماية صغارنا والحرص على تغذيتهم، دون أن نعيق هذا التطور الطبيعي ونقيد شغفهم بالحركة والاكتشاف.

طبتم 🤎

بقلم: ذة. لمياء الناجي

kaplauserabdo

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *